الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
152
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
النار لا محالة ؛ وقالت الخوارج : إذا كان صاحب كبيرة أو صغيرة فهو في النار مخلّد ولا إيمان له ، وجعلوا آيات الوعد كلّها مخصّصة بالمؤمن المحسن والمؤمن التائب ، وجعلوا آيات الوعيد عامّة في العصاة كفارا أو مؤمنين ؛ وقال أهل السنّة : آيات الوعد ظاهرة العموم ولا يصحّ نفوذ كلّها لوجهه بسبب تعارضها كقوله تعالى : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [ الليل : 15 ، 16 ] وقوله : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ [ الجن : 23 ] ، فلا بدّ أن نقول : إنّ آيات الوعد لفظها لفظ العموم ، والمراد به الخصوص : في المؤمن المحسن ، وفيمن سبق في علم اللّه تعالى العفو عنه دون تعذيب من العصاة ، وأنّ آيات الوعيد لفظها عموم والمراد به الخصوص في الكفرة ، وفيمن سبق علمه تعالى أنّه يعذّبه من العصاة . وآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ جلت الشكّ وذلك أنّ قوله : وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ مبطل للمعتزلة ، وقوله : لِمَنْ يَشاءُ رادّ على المرجئة دالّ على أنّ غفران ما دون الشرك لقوم دون قوم » . ولعلّه بنى كلامه على تأويل الشرك به بما يشمل الكفر كلّه ، أو بناه على أنّ اليهود أشركوا فقالوا : عزير ابن اللّه ، والنصارى أشركوا فقالوا : المسيح ابن اللّه ، وهو تأويل الشافعي فيما نسبه إليه فخر الدين ، وهو تأويل بعيد . فالإشراك له معناه في الشريعة ، والكفر دونه له معناه . والمعتزلة تأوّلوا الآية بما أشار إليه في « الكشّاف » : بأنّ قوله لِمَنْ يَشاءُ معمول يتنازعه لا يَغْفِرُ المنفي وَيَغْفِرُ المثبت . وتحقيق كلامه أن يكون المعنى عليه : إنّ اللّه لا يغفر الشرك لمن يشاء ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء ، ويصير معنى لا يغفر لمن يشاء أنّه لا يشاء المغفرة له إذ لو شاء المغفرة له لغفر له ، لأنّ مشيئة اللّه الممكن لا يمنعها شيء ، وهي لا تتعلّق بالمستحيل ، فلمّا قال : لا يَغْفِرُ علمنا أنّ ( لِمَنْ يَشاءُ ) معناه لا يشاء أن يغفر ، فيكون الكلام من قبيل الكناية ، مثل قولهم : لا أعرفنّك تفعل كذا ، أي لا تفعل فأعرفك فاعلا ، وهذا التأويل تعسّف بيّن . وأحسب أنّ تأويل الخوارج قريب من هذا . وأمّا المرجئة فتأوّلوا بما نقله عنهم ابن عطية : أنّ مفعول لِمَنْ يَشاءُ محذوف دلّ عليه قوله : أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ، أي ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء الإيمان ، أي لمن آمن ، وهي تعسّفات تكره القرآن على خدمة مذاهبهم . وعندي أنّ هذه الآية ، إن كانت مرادا بها الإعلام بأحوال مغفرة الذنوب فهي آية اقتصر فيها على بيان المقصود ، وهو تهويل شأن الإشراك ، وأجمل ما عداه إجمالا عجيبا ، بأن أدخلت صوره كلّها في قوله : لِمَنْ يَشاءُ المقتضي مغفرة لفريق مبهم ومؤاخذة لفريق